ليست المأساة أن يكون الهدف بعيدًا ولا أن تكون الطريق إليه شاقة بل المأساة الحقيقية أن يستسلم الإنسان قبل أن يكتشف حدود قدرته وأن يحكم على المستقبل بأدوات الحاضر وكأن ما لا يستطيع تحقيقه اليوم سيظل مستحيلًا إلى الأبد.
عندما يكون الهدف مستحيلًا في نظر الآخرين تبدأ معركة الإنسان الحقيقية معركة بين ما يفرضه الواقع من قيود وما تفرضه الإرادة من محاولات لتجاوزها.
فهناك أهداف تبدو مستحيلة لأن أصحابها يفتقرون إلى الوسائل وأخرى لأن الزمن لم يحن بعد لتحقيقها وثالثة لأن الطريق إليها لم يُكتشف.
لكن هل يعني ذلك أن كل هدف يستحق أن نُفني أعمارنا في سبيله؟
بالطبع لا.
فالإرادة التي لا يضبطها العقل قد تتحول إلى عناد والطموح الذي لا يستند إلى الحقائق قد يتحول إلى وهم وليس من الحكمة أن نستمر في السير نحو جدار مغلق بينما توجد أبواب لم نحاول البحث عنها.
إن الحكمة الحقيقية ليست في التخلي عن الهدف عند أول عقبة ولا في الاصطدام بالعقبات إلى ما لا نهاية وإنما في القدرة على التمييز بين استحالة الغاية وصعوبة الوسيلة فقد تكون الغاية ممكنة لكن الوسيلة خاطئة وقد يكون التوقيت غير مناسب وقد نحتاج إلى إعادة بناء قدراتنا قبل أن نعود إلى الميدان.
ولعل أعظم ما ينبغي أن يتعلمه الإنسان أن الفشل في محاولة لا يعني الفشل في الغاية وأن تغيير الطريق لا يعني بالضرورة تغيير المبدأ وأن الاعتراف بالخطأ ليس انكسارًا بل بداية جديدة على أرض أكثر صلابة.
ومع ذلك هناك حقيقة لا ينبغي تجاهلها ليست كل الغايات قابلة للتحقيق مهما بلغت قوة الإرادة.
فبعض الأمور تتجاوز قدرة الإنسان وبعض النتائج لا يملك ضمانها وهنا تظهر قيمة الإيمان أن يبذل الإنسان ما يستطيع ويأخذ بالأسباب ثم يرضى بما يقدّره الله دون أن يجعل عدم حصوله على ما أراد دليلًا على ضياع جهده أو انعدام قيمته.
فالهدف المستحيل لا يُواجَه دائمًا بمزيد من القوة بل قد يُواجَه بعقل أكثر وعيًا ورؤية أوسع ووسيلة مختلفة.
وفي النهاية لا تسأل نفسك فقط .
هل أستطيع الوصول إلى هدفي؟
بل اسأل هل يستحق هذا الهدف ما سأبذله من أجله؟ وهل طريقي إليه صحيح؟
وهل أملك الشجاعة لأواصل حين ينبغي أن أواصل والحكمة لأغيّر حين يصبح التغيير ضرورة؟
فليست البطولة أن تصل إلى كل ما تريد وإنما أن تعرف ما تريد وتسعى إليه بوعي وألا تخسر نفسك ومبادئك في سبيل الوصول.
فإذا بدا لك الهدف مستحيلًا فلا تتعجل الاستسلام ولا تتخذ من الإصرار صنمًا تعبده افحص الواقع وأعد حساباتك، وابحث عن الطريق ثم امضِ ما دام في الأمر أمل مشروع وسبب معقول .
فعليك الدراسة والتخطيط والعمل والأخذ بأسباب الوصول لمبتغاك وإعلم علم اليقين أن التوفيق بيد الله تعالى فقط .